ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
105
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
ويمينا ، وشمالا ، وأماما ، وخلفا ، وإما سطوح جسم آخر يحيط بالجسم ذي الجهات الست . فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلا وأما سطوح الأجسام المحيطة فهي له مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان ، وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي أيضا مكان هواء . وهكذا الأفلاك بعضها محيطة ببعض ومكان له ، وأما سطح الفلك الخارج فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم ، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون خارج ذلك الجسم جسم آخر ، ويمر إلى غير نهاية . فإذن سطح آخر أجسام العالم ليس مكانا أصلا إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسم ، فإذن إن قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم . والذي يمنع وجوده هناك هو عكس ما ظنه القوم ، وهو موجود هو جسم لا موجود ليس بجسم . وليس لهم أن يقولوا : إن خارج العالم خلاء ، وذلك أن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه ، لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئا أكثر من أبعاد ليس فيها جسم ، أعني طولا وعرضا وعمقا ، لأنه إن رفعت الأبصار عنه عاد عدما . وإن فرضت الخلاء موجودا لزم أن يكون اعراضا موجودة في غير جسم ، وذلك أن الأبعاد هي أعراض في باب الكمية ولا بدّ ، ولكنه قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة : إن ذلك الموضع ليس بمكان ولا يحويه زمان ، وكذلك إن كان كل ما يحويه المكان والزمان فاسدا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غير فاسد ولا كائن . وقد بين هذا المعنى ما أقوله . وذلك أنه لما لم يكن هاهنا شيء إلا هذا الموجود المحسوس أو العدم ، وكان من المعروف بنفسه أن الموجود شيء أنما ينسب إلى الوجود . أعنى أنه يقال : موجودا أي في الوجود ، إذ لا يمكن أن يقال : إنه موجود في العدم ، فإن كان موجود هو أشرف الموجودات فواجب أن ينتسب من الموجود المحسوس إلى الحيز الأشرف وهي السماوات ، ولشرف هذا الحيز قال تعالى : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( غافر : 57 ) وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم .